احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مدينة المحمدية يوم الخميس 18 دجنبر 2025، لقاءً علميًا خُصص لتقديم كتاب «أطلس السلامة البيئية والصحية في عمالة المحمدية»، وهو عمل علمي مرجعي يسلّط الضوء على العلاقة البنيوية بين البيئة والصحة في واحد من أهم الأقطاب الحضرية والصناعية بالمغرب. وقد قام بتقديم هذا الإصدار الأكاديمي الدكتور عبد الله ساعف، بحضور أساتذة جامعيين، وباحثين، وطلبة، وفاعلين مهتمين بقضايا التنمية المجالية المستدامة.
ويأتي هذا الأطلس في سياق وطني ودولي يتسم بتزايد الوعي بأهمية القضايا البيئية والصحية، خاصة في المجالات الترابية التي تعرف توسعًا عمرانيًا وصناعيًا متسارعًا، كما هو الحال بالنسبة لعمالة المحمدية. فهذه الأخيرة، بحكم موقعها الجغرافي ودورها الاقتصادي، عرفت تحولات عميقة أثرت بشكل مباشر على مواردها الطبيعية، وعلى شروط عيش ساكنتها، ما جعل مسألة الأمن البيئي والصحي تطرح بإلحاح متزايد.
الكتاب يشكل عملًا تشخيصيًا دقيقًا، يعتمد على مقاربة علمية متعددة التخصصات، تجمع بين الجغرافيا، والعلوم البيئية، والصحة العمومية، والتخطيط المجالي. وقد سعى معدّوه إلى رصد وتحليل مؤشرات جودة المياه، و الهواء، و التربة، وأنماط تدبير النفايات، مع ربط هذه المعطيات البيئية بانعكاساتها الصحية، خاصة ما يتعلق بالأمراض التنفسية، والحساسيات، وبعض الأمراض المزمنة المرتبطة بالتلوث.
وفي كلمته التقديمية، أبرز الدكتور عبد الله ساعف أن قيمة هذا الأطلس لا تكمن فقط في غزارة معطياته أو دقة خرائطه، بل في الرسالة الفكرية والتنموية التي يحملها، والتي مفادها أن الصحة لا يمكن فصلها عن البيئة، وأن أي اختلال بيئي يتحول، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تهديد للصحة العامة. واعتبر أن هذا العمل يدعو إلى تجاوز المقاربات القطاعية الضيقة، واعتماد رؤية شمولية تجعل من الوقاية البيئية أساسًا للسياسات الصحية.
كما شدد المتدخل على أن الأطلس يمثل أداة دعم حقيقية لصناع القرار، إذ يوفر قاعدة معرفية تساعد على فهم التفاوتات المجالية داخل عمالة المحمدية، وتحديد المناطق الأكثر هشاشة من الناحية البيئية والصحية، بما يتيح توجيه التدخلات العمومية بشكل أكثر نجاعة وعدالة. وفي هذا الإطار، اعتُبر الكتاب مرجعًا عمليًا يمكن أن يسهم في بلورة استراتيجيات محلية مندمجة، تراعي التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضرورات حماية البيئة وصحة الإنسان.
اللقاء شكل أيضًا مناسبة لفتح نقاش علمي حول الرهانات المستقبلية المرتبطة بالأمن البيئي والصحي، حيث تم التأكيد على أن التحديات المطروحة لا تقتصر على التلوث الصناعي فقط، بل تشمل كذلك الضغط على الموارد المائية، والتوسع العمراني غير المنظم، وضعف تدبير النفايات، وتأثيرات التغير المناخي. وهي عوامل متداخلة تفرض، حسب المتدخلين، تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، وإشراك الجماعات الترابية والمجتمع المدني في بلورة الحلول.
وقد أجمع الحاضرون على أن «أطلس السلامة البيئية والصحية في عمالة المحمدية» يشكل إضافة نوعية للمكتبة الوطنية، ليس فقط باعتباره وثيقة علمية، بل لكونه دعوة صريحة إلى إعادة التفكير في نموذج التنمية المحلية. فالتنمية، كما خلص النقاش، لا تُقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، بل بقدرتها على ضمان الحق في بيئة سليمة وصحة جيدة لجميع المواطنين.
ويؤكد هذا الإصدار أن الاستثمار في البيئة هو في جوهره استثمار في الصحة والإنسان، وأن حماية الموارد الطبيعية تشكل شرطًا أساسيًا لبناء مستقبل تنموي مستدام. ومن هذا المنطلق، فإن الأطلس لا يخاطب الباحثين وحدهم، بل يوجّه رسالته إلى صناع القرار، والمنتخبين، والفاعلين الاقتصاديين، وإلى كل مواطن معني بجودة حياته ومستقبل مجاله الترابي.
يشكل تقديم هذا الأطلس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في المحمدية لحظة علمية ومعرفية مهمة، تعكس الدور الحيوي للجامعة في ربط البحث الأكاديمي بقضايا المجتمع، والمساهمة في إنتاج معرفة قادرة على مرافقة التحولات المجالية، والدفاع عن تنمية تجعل الإنسان وبيئته في قلب الاهتمام.
تقديم اصدار جديد حول السلامة البيئية والصحية





تعليقات
0