يخال للمرء، وهو يتابع تدبير عدد من الملفات في المغرب، أننا لسنا في فضاء مؤسساتي واضح المعالم، بل في غابة كثيفة تتجاور فيها القرارات والمصالح، وتتصادم فيها الحقائق كما تتصادم الحيوانات المفترسة.
غابة لا يُسمع فيها إلا صرير الأنياب، ولا يظهر فيها سوى الأقوى، أو من يعتقد أنه الأقوى.
تقارير رسمية، صادرة عن مؤسسات الدولة نفسها، تدق ناقوس الخطر وتكشف مكامن العطب.
تقارير تُفترض أن تكون بداية الإصلاح، فإذا بها تتحول إلى مقدمة لعقاب من كشف الخلل.
يُقدَّم الموظف أو المسؤول قربانا، لا لأنه أخطأ، بل لأنه تجرأ على الإشارة إلى الخطأ.
تُصفق الأبواب خلفه في صمت بارد، بينما يبقى العطب مكانه..
ولا يختلف المشهد داخل المجلس الوطني للصحافة، الهيئة التي يُفترض أن تضبط إيقاع المهنة وتعيدها إلى سكتها المهنية والأخلاقية. فإذا به يتحول إلى امتداد طبيعي لمنطق الغابة.
دخان كثيف يحجب الرؤية، وصراعات صامتة تُدار خلف الستار، وعبارات تُردَّد همسا وجهرا:
“طحن مو” و “اللي دوا يرعف”..
هيئات كان يُنتظر منها حماية الصحافي، فإذا بها تُشعره أن الخطر قد يأتي من الداخل قبل الخارج.
ويبقى السؤال الأكبر، من المستفيد من هذا الوضع؟ ولمصلحة من تُدار هذه الفوضى؟
من يُبقينا أسرى منطق الغابة بدل منطق الدولة؟
ألا يستحق المغرب والمغاربة مؤسسات قوية شفافة، تحاسب من يخطئ وتكافئ من يصلح..
ألا يستحق هذا البلد أن يتحرر أخيرا من عقلية الافتراس… ليعود إلى عقلية البناء؟
هل من المعقول أن نشيد ملاعب وبنى تحتية ذكية، بينما مازال الغباء جاثما على العقول في قطاعات عديدة..
الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يتوقف منطق الغابة، ويبدأ منطق الدولة..





تعليقات
0